الشيخ عبد الغني النابلسي
77
كتاب الوجود
فيقال : لا تصوره العقول ، ونظيره من يقول : لا تشرك به العقول ، ويريد لا تجعل له العقول شريكا ؛ أي إلها آخر مثله في الخارج ، فإن هذا الأمر لا يتوهمه أحد من العقلاء أصلا ، حتى يحتاج إلى إزالة التوهم ، فإن العقول ليس لها قوة التصرف في جعل شئ من الأشياء في الخارج بنفسها ، بل وليس لها التصرف في نفسها ، فضلا عن توهم تصرفها في ذات اللّه تعالى ، فيجعل لذات اللّه تعالى صورة في الخارج أو شريكا له في الخارج ، وإنما معنى قوله : لا تصوره العقول ؛ أي لا تجعل له العقول صورة في نفسها ، مع أنها جاعلة له صورة في نفسها بتصورها له ، حيث الحكم عليه بأنها لا تجعل له صورة في نفسها ، فهو معنى لا تتصوره العقول من غير فرق أصلا ، كما أن معنى لا تشرك به العقول « 1 » ؛ أي لا تجعل له شريكا في نفسها بدعواها أن شيئا من الأشياء إلها كذا مثله ، مع أن العقول فعلت ذلك ، وجعلت له شريكا فيها بدعواها أن الأصنام ونحوها آلهة معه ، فلا معنى للفرق بين قوله : لا تصوره العقول ، وقوله : لا تتصوره العقول ، في إفادة ذلك حصول الصورة له إلا من حيث اللفظ العربي فقط ، وكل من العبارتين يقتضى نفى الصورة في العقول عنه تعالى « 2 » ، فإذا منع الأول وأجاز الثاني فقد تناقض كلامه ، مع أن الصورة له
--> ( 1 ) قال في كتاب الشفاء ( 1 / 281 - 282 ) : « يجب أن يتوهم الواحد منا كأنه خلق دفعة وخلق كاملا لكنه حجب بصره عن مشاهدة الخارجات ، وخلق يهوى في هواء أو خلاء هويّا لا يصدمه فيه قوام الهواء صدما ، ثم يتأمل أنه هل يثبت وجود ذاته ولا يشك في إثباته لذاته موجودا ، ولا يثبت مع ذلك طرفا من أعضائه ولا باطنا من أحشائه ولا قلبا ولا دماغا ولا شيئا من الأشياء في الخارج . فإذن للذات التي أثبت وجودها خاصية لها على أنها هو بعينه غير جسمه وأعضائه التي لم تثبت ، فإذن المثبت له سبيل إلى أن يثبته على وجود النفس شيئا غير الجسم ، بل غير جسم ، وأنا عارف به مستشعر له » . ( 2 ) يذهب الشيعة من الاثنا عشرية مذهب فلاسفة الإسلام في القول بوحدة الماهية والوجود في الذات الإلهية ، فواجب الوجود عندهم ماهيته عين وجوده ، بمعنى أنه لا ماهية له سوى الآنية أو الوجود المحض ، وهذا على خلاف الممكن ؛ فإن وجوده زائد على ماهيته . ومرادهم بالوجود الذي هو عين الماهية في الواجب هو الوجود الخاص بالواجب لا الوجود المطلق المشترك معنى بين جميع الموجودات ، فإنه زائد على الماهية في الجميع بالضرورة . [ مذاهب الفرق الكلامية ( 67 ، 68 ) ، طبعة دار الثقافة العربية ] .